السيد هاشم البحراني
238
البرهان في تفسير القرآن
أعترض عليه فيما أمر ، ألا ترون أنه لما حرم العمل يوم السبت ، وحرم لحم الجمل ، لم يكن لنا أن نقترح عليه أن يغير ما حكم الله « 1 » علينا من ذلك ، بل علينا أن نسلم له حكمه ، ونلتزم ما ألزمنا وهم أن يحكم عليهم بالذي كان يحكم به على غيرهم في مثل حادثتهم . فأوحى الله عز وجل إليه : يا موسى ، أجبهم إلى ما اقترحوا ، وسلني أن أبين لهم القاتل ليقتل ، ويسلم غيره من التهمة والغرامة ، فإني إنما أريد بإجابتهم إلى ما اقترحوا توسعة الرزق على رجل من خيار أمتك ، دينه الصلاة على محمد وآله الطيبين ، والتفضيل لمحمد وعلي بعده على سائر البرايا ، أغنيه في الدنيا في هذه القصة « 2 » ، ليكون من بعض ثوابه عن تعظيمه لمحمد وآله . فقال موسى : يا رب ، بين لنا قاتله فأوحى الله تعالى إليه : قل لبني إسرائيل : إن الله يبين لكم ذلك ، بأن يأمركم أن تذبحوا بقرة ، فتضربوا ببعضها المقتول فيحيا ، فتقبلوا « 3 » لرب العالمين ذلك ، وإلا فكفوا عن المسألة ، والتزموا ظاهر حكمي . فذلك ما حكى الله عز وجل : * ( وإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِه إِنَّ اللَّه يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) * إن أردتم الوقوف على القاتل ، تضربوا المقتول ببعضها فيحيا ، ويخبر بالقاتل * ( قالُوا ) * - يا موسى - * ( أَتَتَّخِذُنا هُزُواً ) * سخرية ؟ تزعم أن الله أمرنا أن نذبح بقرة ، ونأخذ قطعة من الميت ، ونضرب بها ميتا ، فيحيا أحد الميتين بملاقاته بعض الميت الآخر ، كيف يكون هذا ؟ ! قال موسى ( عليه السلام ) : * ( أَعُوذُ بِاللَّه أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ) * أنسب إلى الله تعالى ما لم يقل لي ، وأن أكون من الجاهلين ، أعارض أمر الله بقياسي على ما شاهدت ، دافعا لقول الله تعالى وأمره . ثم قال موسى ( عليه السلام ) : أوليس ماء الرجل نطفة ميتة ، وماء المرأة كذلك ، ميتان يلتقيان فيحدث الله تعالى من التقاء الميتين بشرا حيا سويا ؟ أوليس بذوركم التي تزرعونها في أرضيكم تتفسخ وتتعفن وهي ميتة ، ثم تخرج « 4 » منها هذه السنابل الحسنة البهيجة ، وهذه الأشجار الباسقة « 5 » المونقة ؟ فلما بهرهم موسى ( عليه السلام ) * ( قالُوا ) * يا موسى * ( ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ) * أي ما صفتها ، لنقف عليها فسأل موسى ربه عز وجل ، فقال : * ( إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ) * كبيرة * ( ولا بِكْرٌ ) * صغيرة لم تفرض « 6 » * ( عَوانٌ ) * وسط * ( بَيْنَ ذلِكَ ) * بين الفارض والبكر * ( فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ ) * إذا ما أمرتم به . * ( قالُوا ) * يا موسى * ( ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها ) * أي لون هذه البقرة التي تريد أن تأمرنا بذبحها .
--> ( 1 ) في المصدر زيادة : به . ( 2 ) في المصدر : القضية . ( 3 ) في المصدر : فتسلَّمون . ( 4 ) في المصدر : يخرج اللَّه . ( 5 ) الباسقة : الطويلة . ( 6 ) فرضت البقرة : كبرت وطعنت في السن . « الصحاح - فرض - 3 : 1097 » ، في المصدر : لم تغبط .